الشتاء الأخير
لأبي
اخر امنياتي ان اراه ولو لمرة اخيرة .. ابي .
كم اكره ذلك اليوم الذي خرجنا فيه مضطرين من
المدينة عندما طردنا من منزلنا لأن الناس اصيبوا بهوس التعالي على الأخرين .
ولأننا كنا اقل شأنا منهم كانوا ينتظرون اقل
هفوة منا .
وهو ما حدث عندما انتهزوا مرض امي بالجذام
حيث اخبرهم طبيب الكنيسة بانها ممسوسة ..
وقد طردنا على اثرها خارج اسوار المدينة الى
الغابة القريبة .
وهذا مرض غريب بالنسبة لنا ولم نكن نعرفه
قبلا اصيبت به امي عن طريق احد الخدم الذين كانت تعمل معهم امي في بيت السيد ( جيفرسون ) كانت قد اصيبت
به في بلادها.
كانوا يعتبرونا اقل من البشر نحن طبقة العبيد
والخدم .
بعد عدة اسابيع تفاقم وضع امي واشتد عليها
المرض كنا قد دخلنا فترة الشتاء واشتد البرد في شهر ديسمبر .
دخلنا اطراف الغابة بما ان الطرق مقطوعة في
هذا الوقت من السنة بسبب الامطار والثلوج للعبور الى المدينة او القرية التالية.
وجد ابي كوخا متهالكا دخلنا اليه وافترشنا
الارض بما نحمل من متاع وكان في السقف ثقب كبير تنهمر من خلالها الامطار.
بعد توقف الامطار خرج ابي ليحضر لنا بعضا من
الحطب الجاف وعدة اغصان ليغطي به الفتحة او جزءا من فتحة السقف.
نجح ابي في ذلك إلا ان البرد كان قارسا
ومتاعنا لم يكن يكفي .. في المدينة
احرقوا المنزل بما فيه من متاع خوفا من تفشي المرض .
اشتد البرد وتساقطت الثلوج يوما بعد يوم ومن اثر البرد الغير محتمل ماتت
امي في العاشر من ديسمبر .. عندها نظر الي
ابي وقال : " امك قد ماتت يا
اوليفيا " عندها كنت في الثالثة
عشر من عمري وكنت اعرف الموت فقد مات قبل عامين جدي ( والد امي ) شرحت لي امي
معنى الموت .
بقينا انا وابي والشتاء .. تارة نتحاور
وتارة نبكي وتبكي معنا السماء مطرا وتارة يحضننا ويلفنا الشتاء بما تسقطه علينا من
ثلوج.. تحضننا بقسوة لدرجة
انها قد حاصرتنا من كل الجهات.
لم نستطع الخروج فقد كان الكوخ في منخفض امتلأ
بالثلوج لتغلق علينا الباب عندها ازداد الشتاء حنانا بأن يشعرنا بهذا الكم من
البرد ونحن نتلوى من الجوع .
خرج ابي من الفتحة المتبقية في الجدار
المجاور للشباك الصغير في الكوخ ليحضر ما وقع في مصيدته التي نصبها في الغابة .. عاد ابي ومعه
ارنبا .
لا اتذكر من ذلك اليوم سوى ان الفتحة التي
في السقف تهاوت وسقطت اثر العاصفة الثلجية
التي اصبحت تشتد شيئا فشيئا.
بعد ان اكلنا ولم نشبع هطل الكثير من الثلج ليطفيء
علينا نار التدفئة.
ابي حضنني بكل قوته ولايزال الثلج ينهمر من
خلال الفتحة واشتدت الثلوج اكثر فأكثر وتنزل كأنها ريش بيضاء تتساقط علينا .. وكأنها امنيات
الاف الاطفال الذين اطلقوها الى السماء لتعود اليهم بعد ان وجدت ابواب السماء
مغلقة .
تخيلت من بينها امنياتي بأن تعود امي وتنهض
من جديد .. وامنياتي بأن اعود الى
كوخنا القديم واشعر بالدفء مرة اخرى.
طوقني ابي بذراعيه ووجهنا الى تلك الشعلة
المتبقية من النار ..
كان اخر ضوء اراه قبل دخولي الى النفق
المظلم لغيبوبتي التي امتدت لاكثر من يوم بسبب البرد والجوع.
افقت على دفيء في وجهي من اثر الشمس الساطعة
.
وجدت نفسي لا ازال في حضن ابي وهو يلفني
بذراعيه ليحميني من البرد افلت يده بصعوبة كان لا يزال نائما .
اشعة الشمس تتلألأ على وجهه وكأنه لؤلؤة تحت
الشمس وكأن وجهه قطعة زجاج تعكس الدفيء بأرجاء المكان.
تركت ابي جالسا وتمكنت من فتح الباب بصعوبة واخذت امشي نحو طريق
العربات واتذكر اني قد تقربت من عربة توقفت الى جانب الطريق ليتبول السائق تحت
الشجرة واستغل انشغاله لادق الباب واطلب شيئا للأكل فاطلت امرأة جميلة تعرفت عليها
انها السيدة ( جانيت ) اخت صاحب
الاسطبل الذي كان يعمل فيه والدي .. اعطتني قليلا
من الخبز ونصف زجاجة عصير عنب عدت راكضة فرحة الى ابي وناديته ..
" ابي ..............
ابي لقد توقف
الثلج عن الهطول وسطعت الشمس تستطيع الخروج الان " تقربت منه
ومددت يدي اليه ليسقط على جانبه .
فقد اكمل الشتاء ما بدأه معي ليأخذ ابي معه
ايضا.
------------------------------------------------
https://www.facebook.com/mohaned.mahdi
تعليقات
إرسال تعليق